النويري

59

نهاية الأرب في فنون الأدب

أما الجوهر فهم المقدّسون عن الموادّ الجسمانية ، المبرؤون عن القوى الجسدانية ، أي منزّهون عن الحركات المكانية ، والتغييرات الزمانية ؛ قد جبلوا على الطهارة ، وفطروا على التقديس والتسبيح * ( ( لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) ) * . وإنما أرشدنا إلى هذا معلمنا الأوّل ، عاذيمون ، وهرمس . فنحن نتقرّب إليهم ، ونتوكل عليهم ، وهم أربابنا ، وآلهتنا ، ووسائلنا ، وشفعاؤنا عند رب الأرباب ، وإله الآلهة . فالواجب علينا أن نطهّر نفوسنا من دنس الشهوات الطبيعية ، ونهذّب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانية والغضبية ، حتّى يحصل لنا مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات . فحينئذ نسأل حاجاتنا منهم ، ونعرض أحوالنا عليهم ، ونصبأ في جميع أمورنا إليهم . فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم ، ورازقنا ورازقهم . وهذا التطهير والتهذيب ليس إلا باكتسابنا ، ورياضتنا ، وفطامنا لأنفسنا عن دنيّات الشهوات ، باستمداد من جهة الرّوحانيات ؛ والاستمداد هو التضرّع والابتهال . بالدعوات ، وإقامة الصلوات ، وبذل الزكوات ، والصيام عن المطعومات والمشروبات ، وتقريب القرابين والذبائح ، وتبخير البخورات ، وتعزيم العزائم . فيحصل لنفوسنا استعداد أو استمداد من غير واسطة ، بل يكون حكمنا وحكم من يدعى الوحي واحدا . قالوا : والأنبياء أمثالنا في النوع ، وأشكالنا في الصورة ، ومشاركونا في المادّة . يأكلون مما نأكل ، ويشربون مما نشرب ، ويساهموننا في الصورة . أناس بشر مثلنا ، فمن أين لنا طاعتهم ، وبأيّة مزية لهم لزم مشايعتهم ؟ * ( ( ولَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ) ) * . قال : وأما الفعل ، فالروحانيات هم الأسباب المتوسطون في الاختراع ، والإيجاد ،